بأقلامهم

فوضى الحواس …

لم نعد نصدق ما نراه ونصدق ما نسمعه، ولا نهتم بالتفاصيل…نهتم فقط بالخطوط العريضة، ولا يهم المنطق ويكفيني أن الحدث يمس هوى النفس، ونعتمد على مصادر مشوهة متطرفة ولا نرغب في رؤية مصادر أخرى، وكأننا نقر أمام الله أن كل الحواس التى أنعم بهاعلينا لا حاجة لنا بها ونكتفى أن ننساق ونحن مغمضي أعيننا ومُغلقي أبواب العقل.

تواجه حواسنا معاناة رهيبة مابين الإدراك والإنكار، فعيون الإنسان تمر مرور الكرام على بدائل العشوائيات والإسكان الاجتماعي والمزارع والصوب والطرق وحملات وزارة الصحة وتطورات التعليم وتتوقف بالفحص والتحليل عند السجادة الحمراء هنا وأهمية القصور الرئاسية هناك وجدوى التابلت وماذا يرتدى الرئيس وكيف يأكل لتنتفض معاها حواسه الاصطناعية التي شكلتها الأكاذيب والأحقاد دفاعاً عن أغراضه الخاصة النابعة من هوى النفس أو نتاج الجهل المتراكم جراء اندثار الهوية ورونق التبعية الغربية.

لم يكن محور  القضية يوماً رجل…… بل وطن، لم تستسلم مِصر يوماً للآشوريين أو الفرس أو الهكسوس أو الصهاينة، لم تستسلم حتى للإخوان الإرهابيين على الرغم من تحالفهم مع كل أعداء الوطن، على الرغم من تسخير فضائيات شيطانية وجنود إلكترونية  لم يضلوا يوما في طريق الأكاذيب ولم يملوا من السيطرة على عقول وعواطف الجماهير بشتى الطرق الإغوائية، بِغية العودة للسلطة مرة أخرى على أنقاض الوطن وبإرادة المغيبين ومعدومي الإدراك.

ولا أتعجب عندما أرى المصري المقاوم للمشروع الإخوانى والذى نادى بأعلى صوته يسقط يسقط حكم المرشد عندما أراه الآن يصرف أمواله على المقهى يومياً ويتمتع بالهواء النقي في السواحل المصرية كل أسبوع وهو يصرخ من غلاء الأسعار، فغريزة الخوف في إجازة الآن وحالة الهلع والرعب التي اعترت الشعب المصري آنذاك لم يعد لها وجود هناك من تدفق الاستثمارات واستقرار الأوضاع، ولا أتعجب أيضاً عندما يحلم المصري أن يكون مثل الدول الصناعية الإنتاجية الكبرى بدون أن يتحمل ضريبة البناء أو يصبر حتى موعد جني الثمار الحلوة .

ولا أتعجب أيضاً عندما يتحدث شخص عن ترتيب الأولويات وإصرار الدولة على عدم دراسة المشروعات، فهو لا يرغب في الاعتراف بما تم الانتهاء منه خلال الخمس أعوام الماضية ويداوم على الهجوم على مسئوليها لبث الكراهية في نفوس من آمنوا بهم ودعموهم حتى أثبتت الدولة المصرية أنها قادرة على التقدم.

ولم لا،،،، فهناك دول وتنظيمات يساعدهم أصحاب مصالح أو جُهال أو ضعاف النفوس أو تابعين منساقين مع قطيع من السائرين نياماً، أو هائمون على وجوههم يأبون الخروج من القطيع خشية أن تطالهم سهام النقد أو سياط البذاءة….

ولم لا،،، لم يعد الوطن هو الهدف بل شهوة المال ومسايرة الموضة والسير خلف الأبواق وحلم الثراء الفاحش هو الأهم، لم يعد الصبر أو النخوة أو المسئولية أو حسن التقدير أو الحذر من فضائل الهوية المصرية فقد حل محلها نكران الجميل والبطر والتنطع والخيانة، لأننا تنازلنا عن الحواس التي أنعم الله بها علينا، تنازلنا عن الإدراك فضاعت فينا الفطنة والنضج واليقظة ضاعت فينا الوطنية.

فقد استجبنا لكل المؤثرات النفسية والمعنوية التي تساقطت علينا كسيل منهمر دون أن نفرز النافع من الضار، فصار الغلط صوابا طالما يُمارس بالإجماع، وأصبح الصواب شذوذا طالما يُمارسه القلائل، وأصبح السِباب معارضة وأضحت الخيانة وطنية والكذب والافتراء بدون دليل سار قرينة طالما يوجد من يريد أن يصدق، ولا يريد أن يُعدد مصادر معلوماته أو مراجعتها.

أتعجب من الذين لا يفرقون بين الحق والباطل عن عمد وأتعجب أكثر من الذين باعوا إدراكهم لحفنة من ملوثي الحواس.

بقلم/ الدكتور نور الشيخ

الخبير في الأمن غير التقليدي والحرب النفسية والشائعات

اقرأ أيضا

الفتنة…

 

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق